هناك أيام لا تطلب منا شيئًا، لا معركة نخوضها، ولا موعدًا مصيريًا ننتظره، ولا خبرًا يبدّل شكل الحياة، ولا مشروعًا يكتمل، ولا انتصارًا نعلّقه في آخر اليوم على هيئة شعور واضح ومقنع.

أن نستيقظ ونتحرك في يوم طبيعي، نرد على بعض الرسائل، نقضي شؤونًا صغيرة، نجلس قليلًا، نخرج قليلًا، ثم يأتي المساء دون أن يترك وراءه قصة تستحق أن تُروى.

وفي مثل هذه الأيام، يسهل أن يتسلل على الإنسان شعور الإنزعاج: ماذا فعلت اليوم؟ ما الذي حققته؟ ما الذي يثبت أن هذا اليوم لم يذهب سدى؟

فهذا اليوم الذي لم يحدث فيه شيء كبير، لا يعني بالضرورة أن شيئًا لم يكن موجودًا فيه. أحيانًا يكون الهدوء نفسه هو الشيء الذي حدث. وأحيانًا تكون قيمة اليوم كامنة في أنه مرّ بلا خسائر، بلا فوضى، بلا خبر سيئ، بلا انهيار صغير أو كبير. وهذا ليس قليلًا كما نظن.

النعمة التي تمر بصمت

من الصعب على الإنسان أن يرى النعمة حين تستقر طويلًا، فالكوارث صاخبة، وأما النعم الهادئة فلا صوت لها. والمصائب تقتحم المشهد كله دفعة واحدة، أما العافية فتجلس في الزاوية سنوات دون أن تفرض نفسها على وعينا. ولهذا قد نمر بيوم كامل في أمان، وصحة، وستر، وكفاية، ثم نغلقه بانطباع ثقيل: لم يحدث شيء.

مع أن هذا “اللاشيء” قد يكون ممتلئًا بما يتمناه غيرنا.

أن تستيقظ وجسدك لا يشكو شيئًا مؤلماً، أن يكون بيتك في مكانه، أن يكون من تحبهم بخير، أن تمضي ساعات النهار من دون أن تضطر إلى إطفاء حريق جديد. أن تأكل ما يكفيك، وأن يمر يومك من دون أن يتصدع شيء في داخلك أو حولك. فهذه كلها نِعَمٌ هادئة، تمر غالبًا من دون احتفال.

ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المشهد ببساطة شديدة:

«من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».

الصورة هنا لا تتحدث عن إنجاز خارق، ولا عن قفزة كبرى، ولا عن انتصار خارجي يراه الناس. بل عن أمن، وعافية، وقوت يومٍ. أشياء قد تجتمع في أكثر أيامنا عادية، ثم لا نمنحها ما تستحق من انتباه مع أنها قد تكون هي أكبر انتصار حصلنا عليه في هذا اليوم.

لماذا نظلم الأيام الهادئة؟

لدينا ميل واضح إلى احترام الأيام الصعبة أكثر من الأيام السهلة، فاليوم الذي قاتلنا فيه من أجل شيء ما، اليوم الذي صبرنا فيه على تلك الشدة التي ظننا أنها لن تزول، أو تجاوزنا فيه عَقبة، أو خرجنا فيه من أزمة، يصبح جزءًا من رحلتنا، أما اليوم الذي مضى هادئًا فلا يجد مكانًا واضحًا في السرد، لا أحد يجلس غالبًا ليكتب عن أسبوع لم يحدث فيه شيء مزعج، مع أن هذا بحد ذاته قد يكون أعظم انتصار للإنسان في يومه.

يضاف إلى ذلك أن العالم من حولنا لا يعرض الحياة كما هي، بل كما تصلح للعرض، المنصات لا تعرض الأيام العادية المملة، لا أحد يصور عشر ساعات هادئة ثم يكتب تحتها: “كل شيء بخير”. ما نراه هو اللحظات البارزة: النجاح، الإعلان، السفر، التغيير الكبير، فالصورة الأخيرة بعد رحلة طويلة لا نراها كاملة. ومع الوقت، تبدأ الحياة العادية تبدو كأنها أقل مما ينبغي، مع أنها في حقيقة الأمر هي الشكل الغالب من الحياة نفسها.

معظم العمر لا يتكون من الأحداث الاستثنائية، بل من الأيام التي تمضي على مهلها. صباحات مألوفة، طرقات نعرفها، وجبات عادية، أحاديث قصيرة، صلوات، تعب خفيف، هدوء، نوم، واستيقاظ من جديد. هذه ليست حشوًا بين الأحداث الكبرى، بل هي المادة الأصلية التي تخرج منها الحياة.

الصحة والفراغ ... نعمتان لا ترفعان صوتهما

في الحديث النبوي عبارة تختصر كثيرًا من هذا المعنى:

«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

الحديث الشريف لا يتكلم عن أشياء نادرة جدًا أو بعيدة المنال، بل عن تلك النعم التي قد تكون حاضرة في اليوم الذي نصفه نحن بأنه يوم بلا معنى، صحة تجعل الجسد قادرًا على العيش والحركة. وفراغ يتيح للنفس أن تتنفس قليلًا خارج الضغط والمطاردة.

في الغالب الإنسان لا ينتبه كثيرًا إلا لما يتعطل، ويتعرف على قيمة النعم بأثر رجعي، أحياناً بعدما تزول، وبعد أن تتشقق العادة، وبعد أن يصبح المألوف أمنية، ولهذا فإن الإمتنان ليس مجرد قولًا عابراً، بل نوع من الاستبصار والرؤية الشاملة لحياة الفرد. أن نرى ما استقر حتى اختفى. أن ندرك مرور اليوم بسلام ليس مجرد فراغًا، أو حدث لا يلفت الانتباه لأنه لم يؤلم .

في النهاية ... هدوء اليوم نعمة تستحق الإمتنان

ليس المطلوب من كل يوم أن يثبت لنا أننا منتصرون، وليس واجبًا على الحياة أن تختبر صلابتنا على مدار الساعة، هناك أيام يكفي فيها أن تكون موجودًا، حيًا، مستورًا، آمنًا، وأن يمر النهار من أوله إلى آخره من دون أن يترك جرحًا جديدًا.

قد تأتي أيام أخرى تحتاج منا كثيرًا من الشجاعة، وقد تأتي معارك لا يمكن تأجيلها، لكن حين نُمنح يومًا هادئًا، فربما أجمل ما يمكن فعله معه هو ألا نهينه، وألا نحتقر بساطته، وألا نطالبه بأن يكون أكثر صخبًا حتى نعترف بقيمته.

فليكن يوماً عاديًا.