في لحظة من لحظات عمر الإنسان، تأتي تلك المشاعر التلقائية تجاه عمره، والسنوات التي مضت من حياته، والأيام التي يعيشها في حاضره، ومن أكثر ما قد يؤرق الإنسان في تلك اللحظات عندما ينظر خلفه فيشعر بأن العمر مضى، بينما بقي هو في مكانه.

يتأمل ما كان يحلم به يومًا، وما كتبه لنفسه من خطط وأمنيات، ثم ينظر إلى واقعه فلا يجد شيئًا ملموسًا يوازي الصورة التي رسمها في ذهنه، عندها قد يتسلل إليه شعور ثقيل بأن الوقت سبقه، وأن بعض الأحلام التي كانت تبدو قريبة أصبحت مجرد حبر على ورق.

لكن المشكلة ليست دائمًا في الطريق الذي قطعه الإنسان، ولا في الخبرات والتجارب التي خاضها، بل أحيانًا تكمن في المقياس الذي يستخدمه للحكم على تلك الرحلة.

بأي مقياس نحكم على حياتنا؟

يصعب على الإنسان أحيانًا أن يفصل بين رحلته ورحلات الآخرين، يرى ما وصل إليه غيره، ثم يضع حياته إلى جواره وكأن المقارنة عادلة من الأصل.

لكن ليس من العدل أن نقارن الكيلوغرام بالمتر؛ فلكل واحد منهما معيار مختلف يقيسه، وكذلك البشر، تتشابه أعمارهم أحيانًا، لكن لا تتشابه بداياتهم، ولا ظروفهم، ولا الفرص التي مرّت بهم، ولا الأعباء التي حملوها، ولا الطرق التي سلكوها، والناس لا يعيشون النسخة نفسها من الحياة، وما أُعطي لهذا ليس بالضرورة ما أُعطي لذاك، وما تيسّر لإنسان في مرحلة قد يتأخر عن آخر، والعكس صحيح.

حين نرى الوصول ولا نرى الطريق

حين يشعر الإنسان أن غيره صار أفضل منه، فإنه غالبًا يقارن نفسه بما ظهر من حياة الآخر: وظيفة، مشروع، مال، معرفة، حضور، أو إنجاز انتهى وأصبح قابلًا للرؤية، لكنه لا يرى دائمًا الطريق الذي سبق تلك النتيجة.

لا يرى السنوات التي لم يحدث فيها شيء لافت، ولا المحاولات التي فشلت، ولا الأبواب التي أُغلقت، ولا الأيام التي استمر فيها صاحب الرحلة دون أن يعرف أصلًا إن كان سيصل أو لا، فيقارن أحيانًا فصلًا كاملًا من حياته بصفحة واحدة منشورة من حياة شخص آخر.

فالإنسان قد يستبطئ الثمرة لأنه ينظر إلى الزمن بعينه، بينما أشياء كثيرة تنضج بعيدًا عن أعيننا، وبعض الطُّرق لا تظهر قيمتها إلا بعد أن تمضي فيها وقتًا طويلًا.

خلف كل نتيجة رحلة لا نعرفها

ليس المهم دائمًا أن يكون للإنسان إنجاز ضخم يُحتفى به ويمكن الإشارة إليه، ولا أن تكون حياته سلسلة من النتائج التي تستحق الاحتفاء أمام الآخرين، أحيانًا تكون الرحلة الحاضرة هي القصة بأكملها.

هناك قصص لم تُرْوَ بعد، ورحلات ظلت حبيسة أصحابها، لا يعرف الناس عنها شيئًا، وصعوبات كادت تغيّر مسار الرحلة بأكمله، إنسان قاوم، وتعلّم، وبدأ من جديد، وتراجع ثم عاد، وتغيّر داخليًا دون أن يظهر لذلك التغيّر عنوان كبير يمكن كتابته في سيرته، فالحكم على الإنسان من إنجازه الظاهر فقط يُعدّ حكمًا قاصرًا؛ لأننا نحكم على آخر الطريق بينما نجهل أوله ووسطه، وقد قال النبي ﷺ:

«إنما الأعمال بالخواتيم.» رواه البخاري.

في الحديث معنى يفتح مساحة واسعة أمام الإنسان؛ فالحياة لا يُحكم عليها من فصل واحد، ولا من مرحلة عابرة، ولا من تعثر وقع في منتصف الطريق.

أشياء لا تظهر في الحسابات

حين نبحث خلف إنجاز ما، قد نجد أنه لم يكن وليد اللحظة، ربما سبقته ساعات طويلة من العمل، ومحاولات كثيرة، وتعلم بطيء، وأبواب أُغلقت ثم فُتحت، ومع ذلك، تبقى في حياة الإنسان أشياء لا تظهر حين ننظر إلى النتيجة النهائية وحدها.

فالناس لا يبدأون من النقطة نفسها، ولا يسيرون في الظروف ذاتها ولا تُفتح أمامهم جميع الأبواب. قد يبذل اثنان جهدًا متقاربًا، ثم تأخذ حياة كل واحد منهما طريقًا مختلفًا تمامًا. ليس لأن أحدهما بالضرورة أحق من الآخر، وإنما لأن الحياة ليست معادلة حسابية مغلقة نستطيع معرفة نتائجها مسبقًا.

وفي هذا المعنى يأتي قول النبي ﷺ:

«واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.» رواه الترمذي.

وهذا المعنى يغيّر شيئًا جوهريًا في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. فما وصل إلى غيرنا لم يكن بالضرورة محطة فاتتنا، وما تأخر عنا ليس دليلًا على أن الحياة سبقتنا.

قد ينظر الفرد إلى طريق شخص آخر ويقول: كان ينبغي أن أكون هناك. وهذه العبارة تفترض منذ البداية أن طريق الآخر كان طريقه، وأن توقيت الآخر كان توقيته، وأن ما كُتب للآخر كان ينبغي أن يُكتب له بالطريقة نفسها، وهذا ما يجهله، لذلك قد يكون من الظلم أن يحاسب الإنسان نفسه على حياة لم تكن حياته من الأصل.

ليس هناك جدولٌ موحد للجميع

ربما يكون أكثر ما يجعل الإنسان يشعر بالتأخر هو تصوره أن للحياة جدولًا واحدًا ينبغي للجميع السير عليه، ليست كل البذور تنبت في الوقت نفسه، ولا كل الرحلات تبدأ من المحطة نفسها، ولا كل الطرق متساوية في طولها.

وقد تمر بالإنسان مرحلة تبدو من الخارج ساكنة تمامًا، بينما يحدث في داخله شيء سيغيّر بقية الطريق. معرفة تتراكم، ونظرة تنضج، وتجربة تعيد ترتيب الأولويات، وأشياء كثيرة لا نملك لها مقياسًا واضحًا لحظة حدوثها.

ما زلت في الرحلة

لعل الخطأ ليس أن الإنسان يتأخر، بل أن يحكم على رحلة لم تنتهِ بعد، فالنتيجة التي يراها اليوم ليست بالضرورة النتيجة النهائية، والطريق الذي يبدو طويلًا الآن قد يصبح يومًا جزءًا مفهومًا من الحكاية.

كل إنسان له رحلته الخاصة، وظروفه، وزمانه، وبداياته، وما فُتح له وما أُغلق دونه، وما يعرفه الناس عنه وما لا يعرفونه. ولهذا فإن إهمال الرحلة بأكملها والتركيز على النتيجة النهائية نوع من الظلم الذي قد يمارسه الإنسان على نفسه دون أن يشعر.

ليس لأن النتائج غير مهمة، ولا لأن السعي لا قيمة له، بل لأن الإنسان أكبر من نتيجة واحدة، والحياة أطول من مرحلة واحدة. وما دام الطريق ممتدًا، فلا ينبغي أن نتعامل مع محطة عابرة وكأنها نهاية الرحلة.

لم يفتك شيء بعد .. فما زلت في الرحلة..